منذ أن تولى نيكولاس مادورو رئاسة فنزويلا عام 2013 خلفاً لهوجو تشافيز، أصبحت العلاقة بين كاراكاس وواشنطن واحدة من أكثر نقاط التوتر في أميركا اللاتينية، وبالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لم يكن مادورو مجرد زعيم دولة اشتراكية، بل رمز لنظام يُنظر إليه على أنه “تهديد أمني واستراتيجي”، متشابك مع شبكات الفساد وتهريب المخدرات.
ترمب الذي أعاد توجيه السياسة الأميركية الخارجية حول مفاهيم القوة وسياسة الضغط القصوى، تعامل مع مادورو بأسلوب يجمع بين التهديد العسكري، العقوبات الاقتصادية، والضغط السياسي المباشر.
في الوقت ذاته، لم تتوقف الولايات المتحدة عن استخدام أدواتها القانونية والدبلوماسية لإضعاف النظام، مثل تصنيف ما يُعرف بـ”كارتل لوس سوليس”، كمنظمة إرهابية واعتبار مادورو زعيمها.
وبلغت هذه الحملة ذروتها، السبت، بشن الجيش الأميركي ضربات في جميع أنحاء فنزويلا، انتهت باعتقال الرئيس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة.
وتأتي هذه الهجمة والقبض غير المسبوق على رئيس منتخب أثناء توليه المنصب، بعد أشهر من حملة ضغط أميركية مكثفة على فنزويلا.
ومنذ سبتمبر الماضي، جمعت البحرية الأميركية أسطولاً ضخماً قبالة سواحل فنزويلا، وشنت ضربات جوية ضد ما يُزعم أنها قوارب تهريب مخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، وصادرت ناقلات نفط فنزويلية.
ويُعد قصف فنزويلا والقبض على مادورو تصعيداً خطيراً ودراماتيكياً للحملة الأميركية، بينما يظل مستقبل النظام الحاكم في فنزويلا مجهولاً.
كيف بدأت الحملة الأميركية ضد مادرو؟
منذ تولي ترمب ولايته الثانية، وضع مادورو في مرمى أنظاره، مطلقاً حملة ضغط قصوى ضد النظام الفنزويلي. كما اتهم مادورو بالوقوف وراء أنشطة زعزعة الاستقرار في الأميركتين، بما في ذلك تهريب المخدرات والهجرة غير القانونية إلى الولايات المتحدة.
وظل ترمب يحمّل مادورو مسؤولية وصول مئات الآلاف من المهاجرين الفنزويليين إلى الولايات المتحدة، وهم جزء من نحو 8 ملايين فنزويلي يُقدّر أنهم فرّوا من الأزمة الاقتصادية والقمع في بلادهم منذ عام 2013.
ودون تقديم أي دليل، اتهم ترمب مادورو بـ”إفراغ سجونه ومصحاته العقلية”، و”إجبار” نزلائها على الهجرة إلى الولايات المتحدة. كما ركّز ترمب على مكافحة تدفق المخدرات، وخاصة الفنتانيل والكوكايين، إلى الولايات المتحدة.
وفي يوليو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة عن جائزة قدرها 50 مليون دولار على رأس مادورو، متهمة إياه بأنه واحد من أكبر مهربي المخدرات في العالم.
بعد ذلك، أعلنت إدارة ترمب عن تصنيف عصابات فنزويلية مثل “ترين دي أراجوا” كمنظمات إرهابية، وبدأت بشن ضربات جوية ضد ما يُزعم أنها قوارب مهربين في البحر الكاريبي.
وسرعان ما بدأت الولايات المتحدة في مصادرة ناقلات نفط فنزويلية وبناء وجود عسكري قوي حول المياه المحيطة بالدولة الجنوبية الأميركية.
علاوة على ذلك، لم يخف ترمب أفكاره بشأن تغيير النظام في فنزويلا. وفي أواخر نوفمبر الماضي، منح الرئيس الأميركي إنذاراً أخيراً للرئيس الفنزويلي للتخلي عن السلطة، مقدماً له ممراً آمناً لمغادرة البلاد.
ورفض مادورو العرض، مؤكداً لمؤيديه أنه لا يريد “سلام العبيد”، واتهم الولايات المتحدة بمحاولة السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية.
وضاعف الرئيس الأميركي المكافأة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على مادورو، وأعلن أنه سيصنف حكومة مادورو “منظمة إجرامية أجنبية”.
وينفي مادورو بشدة انتماءه إلى أي عصابة مخدرات، ويتهم الولايات المتحدة باستخدام “حربها على المخدرات” ذريعةً لمحاولة الإطاحة به والاستيلاء على احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا.
وبموازاة مع التهديدات اللفظية، نشرت الولايات المتحدة 15 ألف جندي ومجموعة من حاملات الطائرات، ومدمرات الصواريخ الموجهة، وسفن الإنزال البرمائي في منطقة الكاريبي.
وكان الهدف المعلن لهذا الانتشار، وهو الأكبر في المنطقة منذ غزو الولايات المتحدة لبنما عام 1989، هو وقف تدفق الفنتانيل والكوكايين إلى الولايات المتحدة، حسمبا أكدت الخارجية الأميركية.
متى شنت واشنطن أول هجوم؟
شنّت الولايات المتحدة أولى ضرباتها على ما يُزعم أنه قارب مخدرات في 2 سبتمبر في الكاريبي بين فنزويلا وترينيداد وتوباجو. ومنذ ذلك الحين، تم تدمير 20 قارباً آخر في الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي، ما أسفر عن سقوط أكثر من 80 شخصاً، في ما أطلق عليه وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث اسم “عملية الرمح الجنوبي”.
في الوقت نفسه، قامت الولايات المتحدة بأكبر تحشيد عسكري في الكاريبي منذ أزمة الصواريخ الكوبية، بما في ذلك الآلاف من القوات، وطائرات بدون طيار متقدمة، ومقاتلات، ومدمرات وصواريخ موجهة، والأكثر دراماتيكية، حاملة الطائرات USS Gerald Ford ومجموعتها الضاربة.
ونفّذت طائرات العمليات الخاصة والمقاتلات طلعات جوية على بعد أقل من 100 ميل من ساحل فنزويلا. كما أذن ترمب بعمليات سرية تقوم بها وكالة المخابرات المركزية داخل فنزويلا.
وتصاعدت الأزمة مطلع ديسمبر الماضي، بشكل كبير مع قيام الولايات المتحدة بمصادرة ناقلة نفط خاضعة لعقوبات قبالة ساحل فنزويلا. وعلق الرئيس دونالد ترمب قائلاً: “أشياء أخرى تحدث”، وهو الذي طالما طالب رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو بالتنحي عن السلطة.
صرّح ترمب بأن الولايات المتحدة ستبدأ “قريباً جداً” باتخاذ إجراءات ضد مهربي المخدرات المشتبه بهم على الأرض.
لكن رغم هذا التصعيد ترك الرئيس الأميركي باب الحوار مع مادورو موارباً، إذ نقلت صحيفة “ميامي هيرالد”، أن الرئيس الأميركي أخبر نظيره الفنزويلي أنه يمكنه إنقاذ نفسه وعائلته إذا تخلى عن السلطة وغادر البلاد.
ما سبب الأزمة؟
تدهورت العلاقات بين البلدين منذ تولي هوجو تشافيز الرئاسة في 1999. فتشافيز، الاشتراكي والمعادي للإمبريالية، أغضب الولايات المتحدة بمعارضته للحروب الأميركية في أفغانستان والعراق، وتحالفاته مع دول مثل كوبا وإيران. وتفاقمت الأزمة بعد اتهام تشافيز الولايات المتحدة بدعم محاولة انقلاب في 2002.
بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة، وخصوصاً في الجناح المتشدد من الحزب الجمهوري، يجعل الانتماء الأيديولوجي الاشتراكي لحكومة فنزويلا منها خصماً طبيعياً، إلى جانب حليفتها كوبا.
وعارضت فنزويلا نفوذ واشنطن في أميركا اللاتينية، وتحالفت مع خصوم الولايات المتحدة مثل كوبا وإيران وروسيا والعديد من الجماعات المسلحة المعادية للسياسة الأميركية.
ومع ترسيخ تشافيز للسلطة، ومعاقبة المعارضة، ومصادرة معظم القطاع الخاص، أدانت الولايات المتحدة فنزويلا بسبب سجلها السيئ في حقوق الإنسان. واستمر التدهور رغم بعض التهدئات الطفيفة في العلاقات على مر السنين، خاصة بعد تولي مادورو السلطة عام 2013.
وخلال ولاية ترمب الأولى، صوّرت الولايات المتحدة حكومة مادورو على أنها غير شرعية، معترفة بـخوان جوايدو، رئيس البرلمان، كرئيس لفنزويلا في 2019.
وفي يوليو 2024، خسر مادورو انتخابات رئاسية ساحقة، وسط غضب واسع من حكمه الاستبدادي وانهيار الاقتصاد. واعترفت إدارة بايدن بالمرشح المعارض إدموندو جونزاليس كفائز، وأكدت بيانات التصويت المستقلة فوز جونزاليس، لكن مادورو تمسك بالسلطة وشن حملة قمع عنيفة.
وفي أوائل ديسمبر، نشرت إدارة ترمب ما أسمته “مبدأ ترمب المكمّل”، الذي ينص على أن نصف الكرة الغربي يجب أن يكون تحت سيطرة الولايات المتحدة سياسياً، واقتصادياً، وتجارياً وعسكرياً. وكجزء من هذه العقيدة الجديدة، يمكن للجيش الأميركي استخدام القوة للوصول إلى الموارد الطاقية والمعادن في المنطقة.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
لا يزال المستقبل غامضاً في فنزويلا، لكن وزير الدفاع الفنزويلي تعهد بمواصلة القتال ودعا المواطنين إلى التوحد لمقاومة “الاحتلال” الأجنبي، واصفاً المقاومة ضد الولايات المتحدة بأنها “معركة من أجل الحرية”.
ورغم القبض على مادورو، يبدو أن المؤسسات والفيلق العسكري الفنزويلي لا يزالان قائمين. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هجمات السبت بداية لصراع أوسع أم مجرد عملية منفردة.
ودعا قادة المعارضة، أبرزهم الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو، ترمب لدعم انتفاضة في البلاد.
في السابق، أجرت الولايات المتحدة تمارين حرب لتوقع سيناريو “قطع رأس القيادة الفنزويلية”، وتوقعت هذه التمارين فوضى طويلة الأمد، مع تدفق اللاجئين وصراعات بين المجموعات المتنافسة على السيطرة.
وقال دوجلاس فاره، خبير أميركا اللاتينية الذي ساعد في إدارة هذه التمارين: “ستكون هناك فوضى طويلة الأمد… دون أي مخرج واضح”.
من هو مادورو ولماذا قبض عليه؟
مادورو هو رئيس فنزويلا منذ 2013، وهو سائق حافلة سابق ارتقى في السياسة في ظل حكم تشافيز، حيث شغل منصب وزير الخارجية قبل أن يصبح رئيساً.
ويعتبر حكم مادورو ديكتاتورياً، حيث قدرت الأمم المتحدة في 2019، أن أكثر من 20 ألف فنزويلي لقوا حتفهم خارج نطاق القضاء. كما تم تقويض المؤسسات الرئيسية مثل القضاء، وتدهورت سيادة القانون. علاوة على ذلك، تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة، وفق CNN.
وعلى مدار الأشهر الأخيرة، كرر ترمب دعوته للإطاحة بمادورو، متهماً إياه بإرسال المخدرات والمجرمين إلى الولايات المتحدة، وهو ادعاء قال الخبراء إنه يفتقر للأدلة.
وعلى الرغم من تصعيد الخطاب، جاء القبض على الرئيس أثناء توليه المنصب فجأة وبدون تحذير، وقد بدا أن السلطات الفنزويلية فاجأتها العملية الجريئة.




